محمد متولي الشعراوي
6271
تفسير الشعراوى
أي : اطمئنوا إلى حكمه ؛ لأنه لا ينطق عن هوى فليس في نفسه ما يريد تحقيقه إلا دعوة الخلق إلى حسن عبادة الخالق سبحانه . وقد يقول قائل : ولكن الحق - عز وجل - عدّل للرسول بعضا من الأحكام . ونقول : لقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يجتهد ببشريته فيما لم ينزل اللّه فيه حكما ، وحين ينزل اللّه حكما ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم ينزل على أمر اللّه تعالى ، ولم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحكم حتى فيما اجتهد فيه عن هوى ، بل حكم بما رآه عدلا ، وحين ينزل الحق سبحانه وتعالى حكما مغايرا فهو يبلغ المسلمين ويعدّل من الحكم . إذن : فالتعديل للحكم هو قمة الأمانة مع البلاغ عن اللّه سبحانه وتعالى ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أقبل على الحكم في أمر لم ينزل فيه حكم من اللّه ، فهو قد حكم بما عنده من الرأي ، فيبلغ صلّى اللّه عليه وسلّم الحكم من اللّه ، والذي عدّل له ليس مساويا له بل هو خالقه . ثم إن الذي أخبرنا أن اللّه سبحانه قد عدّل له هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهل يوجد من يضعف مركز كلمته ، ويبلغ أن الحكم الذي صدر منه قد عدّل له ؟ ولكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي استقبل الوحي تحلّى بأمانة البلاغ عن اللّه ، وهو الذي نقل لنا عتاب ربه له « 1 » .
--> ( 1 ) عاتبه ربه في شأن عبد اللّه بن أم مكتوم الأعمى الذي جاءه يسعى ليتعلم منه ، فتلهّى عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بدعوة زعماء قريش للإيمان ، فنزلت سورة عبس : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 ) [ عبس ] . وعاتبه أيضا بقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 1 ) [ التحريم ] .